فخر الدين الرازي
240
القضاء والقدر
الاحتراق « 1 » . وعلى التقديرين فهو اسم ذم . والذم إنما يحسن في حق القادر على الفعل . فإذا كان الشيطان لا قدرة له على الفعل لم يحسن ذمه . السادس : إن « الرجيم » معناه المرجوم . وهو إشارة إلى كونه معذبا . وذلك إنما يحسن في حق القادر على الفعل . لا في حق العاجز عنه . فثبت بما ذكرنا : أن قوله ( أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) : يبطل القول بالجبر . ولا يقال : إنا لا نقول بالجبر ، بل نقول : العبد مكتسب . لأنا نقول : هذا ليس بشيء . فإن العبد إما أن يمكنه تحصيل شيء وتكوينه ، أو لا يمكنه ذلك . فإن أمكنه فهو مذهبنا . وإن كان لا يمكنه فقد توجهت السؤالات المذكورة . وليس بين النفي والإثبات واسطة . فثبت : أن إلغاء لفظ الكسب في الشيء : محض التزوير . قال أهل السنة والجماعة : إن كانت الوجوه التي استنبطوها من قولنا : ( أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) توجب فساد الجبر ، فههنا وجوه أخرى مستنبطة منها توجب فساد القول بالاعتزال . فالأول : إن شر الشياطين والأبالسة إذا لم يكن للّه تعالى فيه أثر البتة ، لم تجز الاستعاذة باللّه . لأن على هذا التقدير إما أن يكون المطلوب من اللّه في هذه الاستعاذة : أن يمنع الشيطان بالنهي والزجر والتهديد ، أو بأن يمنعه منه بالقهر والإلجاء . أما الأول فقد فعله اللّه تعالى ، فكان طلبه لتحصيل الحاصل ، وهو عبث . وإن كان الثاني لم يجز من اللّه تعالى أن يفعله ، لأن الإلجاء ينافي كون الشيطان مكلفا . الثاني : إن اللّه تعالى إما أن يكون مريدا لصلاح حال العبد ، وإما أن لا يكون كذلك . فإن كان الأول فالشيطان إما أن يتوقع منه إفساد العبد ، أو لا يتوقع منه ذلك . فإن كان المتوقع من الشيطان إفساد العبد ، مع أن اللّه تعالى يريد إصلاحه ، فلم خلقه ؟ ولم يسلطه على العبد ؟ وإن كان لا يتوقع منه إفساد العبد . فأي فائدة في الاستعاذة باللّه منه ؟ . وأما الثاني : فهو أن اللّه قد لا يريد إصلاح العبد . وعلى هذا التقدير : الاستعاذة باللّه لا تفيد الاعتصام من آفات الدين والدنيا . الثالث : إن الشيطان إما أن يكون مجبورا على فعل الشر ، أو لا يكون قادرا على الشر
--> ( 1 ) في لسان العرب لابن منظور : « الشّطن : الحبل وقيل : الحبل الطويل الشديد القتل : وبئر شطون بعيدة القعر . . وشطن عنه بعد . وشطنت الدار تشطن شطونا . والشطين البعيد . والشطن مصدر شطنه يشطنه شطنا خالفه عن وجهه ونيته . والشيطان حية له عرف . والشاطن : الخبيث . والشيطان معروف وكل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان . وقيل : الشيطان فعلان من شاط يشيط إذا هلك واحترق . قال الأزهري : الأول أكثر . . . » ( 4 / 2265 - 2266 باختصار ) .